التخطي إلى المحتوى
غُربَاء

هناك أشياء يصعب الحديث عنها. مثل الوجع الذي يمتلك قلبك، مثل يديك التي تمدها لصورة وجه أحدهم ولا يبادلك وجهه الإجابة. مثل الدموع التي تنادي الغائبين، والكلام الذي لا يصل إليهم. مثل الموت الذي لا يرد الراحلين، والصوت الذي ينطفئ بمجرد ترديده على مسامعك منهم لأنهم ليسوا هنا. مثل الغُربة التي تُشبِه الزمن وتمشي على كل شيءٍ وتساويهِ أرضًا.

ليبقى الصمت هو النقطة الأخيرة لكل الأشياء الموجعة.

يصعب أن تكون وطنيًا في بلدٍ مثل مصر، ويصعب أيضًا التجرد من انتمائك لها. نحيا عليها وشيءٌ منا مُغتال فينا، ونخرج منها والغصة التي في القلب في القلب.

نصف حالنا بالنكات ونضحك عليه بما يليق بمن لا يخشى مصيره. ونرثاهُ بعض الأحيان بالبُكى، وكأننا فقدنا المال والولد معًا.

ولا عزاء في كل الأحوال لأبنائها. فمنهم مَن قضى نَحبَهُ، ومنهم من يغترب. عَلَّهُ يصيب قُربًا، في بلادٍ عَلَّها ليست وطنًا.

تلك الأيام التي نعيشها قاسية علينا جدًا، لن تُبرر قسوتها ظروف ولا تهونها وعود أو آمال. ولن تُجمِلها صور فوتوجرافية مُعدَّلة لمجرى النيل وسفح الهرم، أو يتجاهل النهار شِدَّتُها أو يغفلُ الليل فيها وَحشَة الساهرين.

زهاء اثنتي عشرة سنة وأنا أعيش بين جنبات القاهرة قادمًا من بلاد الجنوب بحثًا عن فرصة عمل تضمن لي عيشًا كريمًا.

أُفتِشُ عن الرزق هنا وهناك. أقضي الليل كل يوم في عملي إلى أن تمكَّن البرد وأثر الليل وسهرهِ من كل نسيج في جسدي، حتى صِرتُ كالعذق اليابس المُنحني من النخلة.. صِرتُ كالعرجون القديم!

وأعود كل نهار إلى غرفتي أبحثُ عن سَكَن؛ إن شققت صدري لن تجد شيئًا، وإن تفقدت قلبي لن تجد أحدًا.. رغم أن كل الحزن كان في الصدر، والقلب يشقيه كل شيءٍ من حوله. وشقاء القلوب أشد وطأةً من وَهَنِ الأبدانِ أو يزيد.

في المسافة بين عام 2005 وحتى الآن اكتشفت أن الونس أهم من المال، والصُحبة هي الاتكاء والسَنَد وليست “المعارف التقيلة والرُتَّب”، والعيش الكريم ليس في البحث عن فرصة عمل أفضل وإنما يكون في الديار بين الأهل تحت أي ظروف.

إن كل الذين عبروا من هنا راجلين وراكبين مرتحلين ظنوا أنهم لن يُفارقوا أهلهم وذويهم يومًا، أو على أقل تقدير أنه ما زال هناك فرصة للبقاء.

بعضهم من توارى هاربًا من سوءِ ما بُشِّرَ بهِ عبر الحدود، وبعضهم من استشعر الخطر قبيل وقوعه و”نفد بجلده” (نفد بجلده حرفيًا من غير زادٍ ولا نفر) ففرقته مذاهب الدنيا وشط به النوى برحوا المكان، وتناءت بينه وبين أهليه الخطوات عن غربة بلا رغبة، وفِراق بلا اتفاق، ورحيل دون أن يُنذِر به أحدهم أو يُنذَر.

سنوات وسنوات سَلَب مِنّا الاغتراب فيها العُمر، واجتُرِحَت فيها الذكريات وبُدِلَّت. غُربةٌ خارج الوطن وداخله، غُربة في الأرض والأهل من أثر المسافات، وغربة في القلب من أقصى المضار التي لا عوض فيها إلى أدنى ضرر معنوي يمكن التأقلم على الحياة معه.. والغُربة قاتلة والزمان طويل.

قد يهمك أيضًا

التعليقات